ابن إدريس الحلي
87
المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان
الثالث : ان موسى استعلم من جهته ذلك العلم فقط ، وان كان عنده علم ما سوى ذلك . فصل : قوله « فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها » الآية : 71 . قال أبو عمرو : الزاكية التي لم تذنب قط ، والزكية التي أذنبت وتابت . أخبر اللَّه تعالى عن موسى وصاحبه الذي تبعه ليتعلم منه ، فخرق صاحبه السفينة ، أي : شق فيها شقا ، لما أعلمه اللَّه من المصلحة في ذلك . فقال له موسى منكرا لذلك على ظاهر الحال : « أخرقتها لتغرق أهلها » أي : غرضك بذلك أن تغرق أهلها الذين ركبوها . ويحتمل أن يكون قال ذلك مستفهما . والأول أقوى ، لقوله بعد ذلك « لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً » والامر المنكر ، في قول مجاهد وقتادة . وقال أبو عبيدة : داهية عظيمة وأنشد : لقد لقي الاقران منه نكرا داهية دهياء ادا امرا « 1 » فقال له : يا موسى « أَلَمْ أَقُلْ لَكَ » فيما قبل « إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً » أي لا يخف عليك ما تشاهده من أفعالي ويثقل عليك ، لأنك لا تعرف المصلحة فيه . ولم يرد بالاستطاعة القدرة ، لان موسى كان قادرا في حال ما خاطبه بذلك ولم يكن عاجزا ، وهذا كما يقول الواحد منا لغيره : أنا لا أستطيع النظر إليك ، وانما يريد أنه يثقل علي ، دون نفي القدرة في ذلك . فقال له موسى في الجواب عن ذلك « لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ » وروي أنه قال ذلك لما رأى أن الماء ليس يدخل السفينة مع خرقها ، علم أن ذلك لمصلحة يريده اللَّه ، قال « لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ » . وقيل : في معنى « نَسِيتُ » ثلاثة أقوال :
--> ( 1 ) . مجاز القرآن : 1 / 409 .